ست سنوات مرّت، لكن الرابع من آب لم يصبح ذكرى عابرة في روزنامة اللبنانيين. فما زال انفجار مرفأ بيروت جرحًا مفتوحًا، وما زالت أسماء الضحايا تنبض في القلوب، شاهدةً على واحدة من أكبر المآسي التي عرفها لبنان.
وفي قضاء جزين، لم يكن الانفجار مجرد خبر عاجل، بل كان فاجعةً اقتلعت من بين أبنائه الشاب جو حداد والممرضة ميراي جرمانوس، لتترك خلفهما وجعًا لم تنجح السنوات الست في مداواته.
هناك أمّ ما زالت تنتظر صوت ابنتها. تمرّ أمام غرفتها، تتوقف للحظة، وكأنها لا تزال تسمع وقع خطواتها أو تترقب عودتها. في قلب الست سيدة أم ميراي في بيصور، لم يتوقف الزمن عند الرابع من آب، لأن الأمهات لا يحفظن أبناءهن في الصور فقط، بل يحملنهم في تفاصيل أيامهن، وفي كل عيد، وكل مناسبة، وكل صباح يبدأ بغياب لا يشبه أي غياب.
وفي روم، يعيش هنري أخ جو حقيقةً قاسية لا يستطيع الزمن تغييرها. فالأخ لا يفقد شقيقًا فحسب، بل يفقد جزءًا من طفولته وذكرياته وسنده. تبقى المقاعد التي جمعتهما شاهدة على الفراغ، وتبقى الضحكات التي كانت تملأ البيت حاضرة في الذاكرة، وإن غاب صاحبها إلى الأبد.
ست سنوات مضت، لكن الألم لا يقاس بعدد الأعوام. فالوجع لا يشيخ، والحنين لا يعرف التقويم، والقلوب التي فقدت أبناءها لا تتعلم النسيان، بل تتعلم كيف تعيش وهي تحمل هذا الغياب معها كل يوم.
ورغم كل ما اعترض مسار التحقيق من تعقيدات وتأجيلات وتجاذبات، لم يسقط مطلب الحقيقة، ولم يخفت صوت العائلات التي ما زالت تطالب بمعرفة كيف ولماذا خُطفت أحلام أحبائها في لحظة واحدة. فالعدالة ليست انتقامًا، بل حق لكل إنسان، وواجب تجاه كل ضحية رحلت من دون ذنب.
ورغم قسوة الانتظار، يبقى الإيمان بأن الحقيقة لا تموت، وأن العدالة، مهما تأخرت، تبقى مطلبًا لا يسقط بالتقادم. وإن تعثرت عدالة الأرض، فإن المؤمنين يجدون عزاءهم في أن العدالة الإلهية لا تغيب، ولا يضيع عندها حق، ولا يفلت من ميزانها ظلم أو تقصير.
في الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، تنحني جزين أمام ذكرى ابنيها جو حداد وميراي جرمانوس، كما تنحني أمام جميع شهداء الرابع من آب. وتجدد عهدها بأن الوفاء لا يكون بالدموع وحدها، بل بحفظ الذاكرة، والمطالبة بالحقيقة، وعدم السماح بأن يتحول هذا الجرح إلى صفحة منسية.