يتجاوز عيد الأضحى رمزيّته العاديّة إلى معنى إنسانيّ وروحيّ أوسع، لأنّ النبي إبراهيم يُعتبر أبًا للديانات التوحيدية الثلاث، ورمزًا للإيمان والطاعة والثقة بالله في الإسلام والمسيحية واليهودية. ومن هنا، يحمل العيد رسالة تتخطّى الحدود الدينية الضيقة، لتلامس قيم التضحية والرحمة والإيمان التي تشترك فيها الإنسانية جمعاء.
وفي لبنان، البلد القائم على التنوّع الديني والثقافي، تبدو هذه المعاني أكثر حضورًا في ظلّ ما يعيشه الناس من أزمات وخوف وقلق على المستقبل. فحين يستعيد المسلمون قصة إبراهيم واستعداده للتضحية، فإنّ كثيرًا من اللبنانيين، بمختلف انتماءاتهم، يرون في هذه القصة صورة عن الصبر في مواجهة الامتحانات القاسية، وعن الإيمان الذي يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار رغم الألم.
كما أنّ العيد، بما يحمله من قيم التكافل ومساعدة المحتاجين، يذكّر اللبنانيين بأنّ الأزمات لا يمكن مواجهتها إلا بالتضامن بين الناس. ففي زمن الانهيار الاقتصادي واتّساع دائرة الفقر، تصبح مشاركة لقمة العيش، والسؤال عن الآخر، والوقوف إلى جانب العائلات المتعبة، أفعالًا تحمل بُعدًا وطنيًا وإنسانيًا قبل أن تكون مجرد طقوس دينية.
ولعلّ أكثر ما يحتاجه لبنان اليوم هو استعادة هذا البعد الجامع للأعياد، بعيدًا عن الانقسامات والحساسيات. فكما يشكّل إبراهيم رمزًا روحيًا مشتركًا بين المؤمنين، يمكن للقيم التي يجسّدها — من إيمان ورحمة وتضحية — أن تكون مساحة لقاء بين اللبنانيين، لا سببًا إضافيًا للانقسام.
ورغم كلّ ما يثقل البلاد من أزمات، يبقى العيد مناسبة يتمسّك فيها الناس بالأمل، وبفكرة أنّ الإنسان قادر دائمًا على صناعة نور صغير وسط العتمة، وأنّ الإيمان الحقيقي لا يظهر في الأيام السهلة، بل في القدرة على الحفاظ على الرحمة والمحبة حين تصبح الحياة أكثر قسوة.