في اعتراف لافت يعكس حجم التعقيدات التي تواجهها واشنطن في فتح مسار تفاوضي مع طهران، أقرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة "ربما تمادت" في استهداف القيادات الإيرانية، معتبرًا أن مقتل عدد كبير من الشخصيات النافذة جعل من الصعب تحديد الجهة التي تملك اليوم القرار النهائي داخل إيران.
وخلال تجمع انتخابي للحزب الجمهوري في مدينة يونغستاون بولاية أوهايو، قال ترامب إن الولايات المتحدة ربما ذهبت بعيدًا في استهداف القيادة الإيرانية، إلى درجة أنها باتت تواجه صعوبة في معرفة الطرف الذي يمكن التفاوض معه.
وقال ترامب: "كان ينبغي لي أن أبقي على القادة، لأنني لا أعرف مع من بحق الجحيم نتفاوض"، مضيفًا أن السؤال الأساسي الذي يطرحه الإيرانيون خلال المفاوضات، بحسب تعبيره، هو ما إذا كانت واشنطن "ستسمح لهم بالبقاء على قيد الحياة".
وتتقاطع تصريحات ترامب مع تقييمات صدرت أخيرًا عن مسؤولين في إدارته بشأن حالة الغموض التي تحيط بمراكز صنع القرار في طهران، بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية التي طالت مستويات عليا من القيادة الإيرانية.
وكان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قد أشار إلى وجود صعوبة في تحديد كيفية اتخاذ القرارات داخل القيادة الإيرانية، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى معرفة الطرف القادر على تقديم التزامات ملزمة في أي مفاوضات محتملة.
وفي المقابل، لا تزال شخصيات رسمية إيرانية، بينها الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، حاضرة في المشهد الدبلوماسي، إلا أن التساؤلات الأميركية تتركز على مدى امتلاك هذه الشخصيات الكلمة النهائية في القرارات الاستراتيجية والحساسة.
وتأتي تصريحات ترامب بعد أشهر من المواجهة العسكرية المباشرة التي اندلعت في 28 شباط، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة على إيران، أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وعدد من كبار القادة السياسيين والعسكريين. كما قُتل لاحقًا عدد من الشخصيات البارزة، بينهم علي لاريجاني، فيما طالت الضربات شخصيات مركزية في منظومة الأمن والدفاع الإيرانية.
وكان ترامب قد أقرّ خلال التجمع نفسه بأن استهداف هذا العدد من القيادات ربما عقّد جهود التفاوض، قائلاً إن واشنطن باتت تواجه صعوبة في معرفة "من تتعامل معه" داخل إيران.
ورغم هذا الإقرار، لا تزال إدارة ترامب تتمسك بشروطها الأساسية في أي تسوية، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني، في وقت لم تسفر الاتصالات غير المباشرة بين الطرفين حتى الآن عن اختراق حاسم.
وكان ترامب قد أعلن في 8 تشرين الأول أن الولايات المتحدة لن تشن هجومًا جديدًا على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 تشرين الثاني، متحدثًا في الوقت نفسه عن استمرار الاتصالات الهادفة إلى وقف المواجهة.
إلا أن الخلافات بين الطرفين لا تزال كبيرة، ولا سيما بشأن البرنامج النووي والعقوبات ومستقبل مضيق هرمز، فيما رفضت طهران أخيرًا الرد الأميركي على أحد مقترحاتها، معتبرة أنه لا يلبي شروطها بصورة كافية.
وفي المقابل، رفضت طهران الرواية القائلة إن واشنطن لا تعرف الجهة التي يمكن التفاوض معها، معتبرة أن الولايات المتحدة تدرك جيدًا آليات صنع القرار الإيرانية والأطراف المخولة الدخول في المفاوضات.
وبذلك، تكشف تصريحات ترامب عن مفارقة تواجهها واشنطن بعد أشهر من المواجهة: فالضربات التي استهدفت هرم القيادة الإيرانية وأضعفت بنيته التقليدية باتت، وفق الرئيس الأميركي نفسه، تطرح مشكلة جديدة تتمثل في تحديد من يملك السلطة الفعلية للتفاوض وإبرام أي اتفاق محتمل.