كتبت رنا جوني:
لم تكن قضية أحمد حرب مجرّد قضية اتهام بالعمالة فحسب، بل كانت قضية تسرّع في الحكم قبل أن يصدر حتى الحكم القضائي. أحمد، الشاب الذي يعاني من ارتدادات نفسية نتيجة ظروف مرّ بها، وجد نفسه فجأة في قفص الاتهام: «أنت عميل». صدر الحكم المتسرّع من ذباب مواقع التواصل الاجتماعي، من دون الاطلاع على حيثيات القضية، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته. لكن ما يحصل على الدوام أن الموقوف يُعدّ مجرمًا ولو كان بريئًا. هذا ما بات يُعرف بالحكم المتسرّع، الذي يجلد البريء، يدمّر سمعته، ويقضي على أحلامه، فقط لأن خبرًا انتشر من دون التحقق منه، وساقته المواقع والصفحات. وهكذا، إذا انتشر خبر عن «عميل جديد في حاروف»…
ولكن مهلاً.
الشاب أحمد، الخلوق الذي يعشق أرضه، ليس عميلًا. هو ابن أرض مجبولة بالدم. التحقيقات التي أُجريت من قبل أجهزة الدولة هي التي أثبتت بالوقائع والقرائن براءته. أُفرج عنه، وهو حاليًا يخضع لعلاج نفسي ليستعيد عافيته.
أحمد هو ضحية مجتمع لا يقرأ، بل يصبّ جام اتهاماته تماشيًا مع الواقع لا مع الحقيقة.
نعم، العميل منبوذ، لا مكان له بين أحد، فهو خان وطنه. من يخون الوطن مجرم، وخيانة الوطن جريمة، وخيانة الضمير أيضًا جريمة. لكن أحمد ضحية الصفحات الوهمية التي تبث شائعات دون مصادر، وضحية متطفّلي الإعلام الذين يسوّقون أخبارًا دون تحقق ودون مصدر.
كم من أحمد يجب أن يدفع ثمن هذا الهراء؟
حكم الناس على أحمد انطلاقًا من مخيلة هؤلاء. من يعيد لأحمد كرامته التي استُبيحت؟ من يعيد له كرامته التي انتُهكت مع عائلته؟ هل فكّر أحد بحجم الألم داخل تلك العائلة التي قدّمت للوطن ما قدّمت؟ أم إن كلمة «نعتذر» التي أُطلقت تكفي لردّ الاعتبار؟
بالله عليكم، دعوا الإعلام يكون إعلان ثقة، ومصداقية، وتحقق، لا إعلامًا أهوج متهورًا يسير مع موجة التزييف الحاصلة.
نقول لأحمد: ذنبك أنك في لبنان، في بلد باتت صفحاته الافتراضية تُعدم الناس بلا ذنب. لكن الكل يعلم كم أنت شاب تقي، تخاف الله، وتفدي وطنك بدمك.
لا تخف، الكل معك اليوم.
الكل يتابعك لتعود إلى حياتك وتستعيد صحتك.
أحمد، أنت ابن الأرض التي لا تنكسر، فلا تهاب أقلامًا لا تعرف الكرامة.
ولكن، هل سيتحرّك القضاء للاقتصاص ممن نال من كرامتك وكرامة كل إنسان بريء؟ أم سنبقى نتفرّج على مسرحية قتل الناس معنويًا، ويُقفل الملف لعدم اكتمال المشهد؟