أنا "إمّي" غير لأنها أكبر من الدني... (شيرين حنا)

كل سنة بيمرق يوم 21 آذار، بس السنة غير لأن "إمّي" غير...

أنا "إمّي" بتفيق قبل ما نحن نوعى، على ال7 بتستلم الشغل بتخاف على كل واحد وواحدة بالطابق، بتعطي الدوا على الوقت، وبتهتم بضغطو وفحوصاتو، بتحممن وبتعتني فيهن كأنهن ولادها أو أهلها... ومن بعدها بترجع على ال7 لعنا وكأنها لا تعبانة ولا بها شي وبتعيد كل الاهتمام مع ضحكة ما بتفارقها...

أنا "إمّي" بتاخدنا معها، بتتحمل 100 تلميذ بالصف وبتحاول تتعاطى مع كل شخص حسب قدراتو لتوصلو الفكرة، بتربي ولاد غيرها كأنن ولادها، بترجع معنا وبتسألنا كيف كان نهارنا تترجع تمارس نفس شغلها بس معنا بالبيت، وما بتنسى تعملنا الكاتو والحلو تنكون مبسوطين...

أنا "إمّي" بتروح بكير، لأن ساقبت الوطن عم يناديها، بتكون بمداهمة لصبايا عاكستن الحياة، وغيرن أجرموا بسبب قساوة الحياة، شفناها من فترة كمان بالساحات وقت التظاهرات، في ناس حبوها واحترموها وناس شتموها، وشو كانت قاسية لما اسمع "إمّي" عم تنهان وهيي موجوعة نفس وجع اللي عم يهينها، وبس ترجع كانت تغمرنا المهم عم تأمنلنا مستقبل بوطن نقدر نعيش فيه...

أنا "إمّي" كتار استخفوا بقدراتها، وقالولها هيدي مش شغلتك "شو بطّل في رجال"؟ علمتني كون مثابرة واثبت للكل إني قادرة حقق يلي بحلم فيه، فساقت الطيارة، وعملت ميكانيك للسيارة، وكانت قد "مية رجّال"...

أنا "إمّي" متل ما بتهندسلنا حياتنا لنكون الأفضل، كمان بترسم وبتخطط بيوت غيرنا، فبتسهر لوقت طويل لتخلص الخرايط، والأحلى لما نشوف انجازات "إمّي" مبنية على أرض الواقع، فكم بيت سكنوه وكم قصر عمروه...

أنا "إمّي" بتخاطر بحياتها بأغلب الأوقات، إذا في حرب بتتواجد، وإذا في سلم بتحضر، إذا في وباء بتكون، وإذا في أمان بتشتغل، "إمّي" كمان كتار بيحترموها والأكتر بيكرهوها بس لأنها بتكون عم تشتغل لتنقل للعالم الحقايق والصورة الأفضل إن عبر التلفزيون أو الراديو أو بأي خبر منقراه، وما بتقبل إلا إنو تكون موضوعية متل ما بتعاملنا كلنا "سواسية" أنا وإخواتي...

أنا "إمّي" بتقصّر التياب وبتضيقهن متل ما بتساعدنا على تقليل المشاكل وحلها، وما بتذكر كم مرة شفت روائعها بفساتين عم تلبسهن هالصبايا إن بالأعراس أو بالمناسبات الحلوة وأوقات بالحزينة، وكأنو إمي قادرة تكون هيدي الجنية الطيبة بساندريلا، ولو بتشوفوا فساتينا أنا واخواتي متل اللوحات اللي تحققت بشقفة قماش...

أنا "إمّي" بتهتم بجمال ونضارة وضفير كل الستات، بس بتنسى حالها، مش لأنو "إمّي" ما بتحب، بس ما بين شغلها برا وطبخها النا بالبيت واهتمامها ببيي، ما منخليلها وقت...

أنا "إمّي" ما بتقبل إلا كل واحد ياخد حقو، بحب شوفها بثوب المرافعات لأتأكد انو لو شو ما صار في عدل ومساواة بالحياة وحق ما بيموت طالما في متل "إمّي" بقصور العدل والمحاكم...

أنا "إمّي" بالنسبة إلها النضافة هاجس فمتل ما بيتنا بيبرق برق وريحتو متل الفل، كمان المدرسة عنا والمكاتب بأشغال البعض، "إمّي" هيدي المعقّم اللي ما عرفوا قيمتها غير لما انتشرت الأمراض وفهموا شو تعبها...

أنا "إمّي" شافوها بالسياسة وحاولوا يستخفوا فيها، ورغم كل شي أثبتت انها قادرة مش بس تحمل مسؤولية بيت بالعكس قادرة تعمّر بلدان وأوطان، أوقات كانت متل المرأة الحديدية وأوقات رقة أنوثتها خلصتها بمواقف كتيرة...

أنا "إمّي" كان القانون قاسي بحقها، حرمها حضانتي فربيت بعيد عنها، بس قلبي كان عطول معها وهيي قلبها عطول عليي، ما صدّق روح لعندها هونيك في دفا غير شكل، في حب أكبر من هالحياة، وفي اهتمام ما بيخلص، فكروا انو الناس فيها تحكم بين "الإم" وابنها أو بنتها، بس ما عرفوا إنو حبها أكبر بكتير من المسافات...

أنا "إمّي" كل وقتها عاطيتنا اياه إلنا بالبيت الصبح قبل الكل بتكون وعيت حضّرتلنا الزوادة متلنا متل بيي، شنطنا حاضرة وتيابنا مهفهفة ونضيفة، لبّستنا وصرنا جاهزين للانطلاق، منرجع الأكل جاهز والبيت مرتّب، بتغدّينا وبعدها لقمتها أطيب لقمة، وبترجع بتدرّسنا وما عرفت انها "أمّية" غير لما كبرت، مع انها علمتني الفرنسي والعربي والرياضيات متل معلمتي وأحسن... وما بين هيدي وهيديك ما بتنسى تسقينا حب، وتنعشنا احترام، وتصقلنا تربية وفهم... 

بس أنا "إمّي" غير، إمّي اختصرت كل هالأمهات، سهرت على مرضي وضحكت لفرحي، وبكيت لوجعي، نحنا نكبر على حساب صحتها، ونسهر على حساب قلقها... الضحكة دايمة على وجهها، خبّت وجعها دايما لحد ما ضعف قلبها وترققت عظامها... قد ما نسافر أو نبعّد منعرف انو عطول في حضن دافي وحنان دايم رح يكون ناطرنا... كبرنا وتزوجنا وبعدنا هول الولاد الأطفال اللي ما بيصدقوا يركضوا على حضن وبيت امّن... "الإم بتلم"...

أنا "إمّي" غير، لأن فهمت يا "إمّي" إنو الـ"إم" أكبر من الدني...

ينعاد على كل "أمهات" العالم، وإنتي أوّلهن يا "إمّي"...

                                           شيرين حنا