الرئيسية أخبار محلية
الإثنين 24 - آب - 2026

سليمان مالك: بين النقد السياسي والتجريم " تصويت النائب على قانون العفو العام "

سليمان مالك: بين النقد السياسي والتجريم " تصويت النائب على قانون العفو العام "

نشر المحامي سليمان مالك على صفحته الخاصة على فايسبوك:

❇️ بين النقد السياسي والتجريم: " تصويت النائب على قانون العفو العام "

أثارت المنشورات التي تتناول النواب الذين صوّتوا على قانون العفو العام، ومنها في #قضاء_جزين، وتتعامل مع هذا التصويت على أنه «سابقة عدلية» من خلال صورة تحاكي السجل العدلي الرسمي! مسألة تستحق المقاربة القانونية. 

وبالفعل، 

وبمعزل عن الموقف السياسي من قانون العفو العام نفسه، أو من النواب المستهدفين أو للجهة التي أصدرت هذه المنشورات، من المفيد تبيان ما يلي:

⬅️ أولاً: تصويت النائب على قانون العفو العام يدخل في صميم دوره التشريعي. وهذا ما كرسته الفقرة ٩ من المادة  ٥٣ من الدستور اللبناني بوضوح، أنَّ رئيس الجمهورية «يمنح العفو الخاص بمرسوم. أما العفو الشامل فلا يمنح إلا بقانون».  هذا عدا كون المادة  ١٥٠ من قانون العقوبات، نصت على أنَّ  العفو العام يصدر عن السلطة الاشتراعية.

وتالياً، فإن مشاركة النائب في التصويت  او الامتناع عن التصويت على قانون العفو العام، ليست فعلاً خارج الوظيفة النيابية، بل هي من صميم العمل التشريعي الذي يمارسه النائب في إطار الصلاحيات التي أناطها الدستور بمجلس النواب.

ومن ثم، فإنّ أي قول يتعلق بنائب أو مجموعة صوّتت لصالح قانون العفو العام، وانتقاد هذا الخيار، أو اعتباره خطأً سياسياً أو تشريعياً، أو حتى تحميله مسؤولية سياسية أمام الرأي العام والناخبين، يبقى من حيث المبدأ ضمن دائرة النقاش العام والمساءلة السياسية وحق إبداء الرأي. 
فالديمقراطية لا تعطي بالطبع  حصانة للنائب من النقد السياسي، بل على العكس، ممارسته السياسية والتشريعية خاضعة للتقييم والنقد والمساءلة الشعبية، وهذه أمور يُفَترض ألّا خلاف حولها!

⬅️ ثانياً: تبدأ الإشكالية القانونية عندما لا يقتصر الخطاب العام، في مناقشة التصويت وآثاره السياسية أو التشريعية، بل ينتقل إلى إعادة توصيف العمل التشريعي ذاته، على أنه فعل جرمي، أو إلى تقديم النائب وكأنه صاحب «سابقة عدلية» بسبب تصويته على قانون العفو العام.

وهنا من المفيد التمييز بين أمرين مختلفين تماماً: 

✳️ #الأمر_الأول، أن يقال للنائب، لقد أخطأت في تصويتك، أو إن تصويتك كان ضاراً لا يأتلف مع المصلحة العامة! أو إنك إتخذت خياراً تشريعياً خاطئاً، وأنه يجب على الناخبين محاسبتك سياسياً على هذا الخيار.  
ما يعني، أنّ هذه الانتقادات و/ أو الاعتبارات تدخل في صميم حرية النقاش السياسي.

✳️ #الأمر_الثاني، أن يُنسب إلى النائب، لمجرد تصويته على قانون، ارتكاب فعل جرمي، أو أن يُقدَّم هذا التصويت على أنه «سابقة عدلية»، أو أن يُصمَّم له نموذج  مختلق! يحاكي نموذج السجل العدلي، وحشوه بعبارات مجرمة تطال شخص اي نائب قام بدوره التشريعي.

فإنه في هذه الحالة، لا نكون أمام مجرد تقييم سياسي لموقف نائب، بل امام حالة من تعرض لشخص النائب وتجريم لعمله التشريعي، ما يخرجها عن النقد السياسي كحق مشروع.

ولا بد هنا من التذكير، بأن العفو العام ليس فعلاً خارج النظام القانوني أو ممارسة خارجة عن الدستور، بل هو مؤسسة دستورية وتشريعية قائمة بذاتها. فالدستور حسم أن العفو الشامل لا يمنح إلا بقانون، وقانون العقوبات أناط إصداره بالسلطة الاشتراعية. لا سيما أن قوانين العفو تشمل الجرائم وغايتها الوحيدة الجرائم وفقا لسياسة تفرضها المجتمعات أو  تعزيزا لمفهوم العدالة واستعادة الثقة بين الدولة والمواطنين.

⬅️ ثالثاً: تزداد المسألة حساسية عندما يتم استعمال نموذج أو صورة أو منشور يحاكي «السجل العدلي» لإدراج تصويت نائب على قانون العفو العام ضمن ما يوحي بأنه «سوابق عدلية».
فالسجل العدلي، من حيث وظيفته القانونية، مرتبط بالآثار الناتجة عن الأحكام الجزائية والوقائع التي يحددها القانون، وليس سجلاً للخيارات السياسية أو التشريعية للنواب.

ومن هنا، فإن استعمال هذا الشكل ليس مجرد وسيلة تعبير محايدة بالضرورة. وعلى هذا الأساس، يُنظِر إلى المضمون والعبارات والسياق وطريقة العرض والوسيلة والجمهور المستهدف، ليصار الى تحديد، ما إذا كان الأمر، يتجاوز النقد السياسي، والهدف منه النيل من شرف وكرامة النائب.

وهذا التمييز مهم لأن قانون العقوبات اللبناني، يعرّف في المادة ٣٨٥، الذم بأنه نسبة أمر إلى شخص ولو في معرض الشك أو الاستفهام ينال من شرفه أو كرامته(….). فيما يعتبر القدح كل لفظة ازدراء أو سباب أو تعبير أو رسم ينطوي على التحقير من دون نسبة أمر معين.
وبدورها المادة ٣٨٥ عقوبات، تُجرّم التحقير الموجه إلى الموظف أثناء قيامه بوظيفته أو في معرض قيامه بها. أما الموظف عرفته المادة ٣٥٠ عقوبات لهذه الغاية، بحيث تشمل من عُيّن أو انتُخب لأداء وظيفة أو خدمة عامة.

لذلك، فإن استعمال عبارات أو رسوم أو نماذج توحي بأن نائباً ارتكب جرماً أو يحمل «سابقة عدلية» لا يمكن اعتباره تلقائياً مجرد نقد سياسي، بل قد يطرح، تبعاً لمضمون المنشور وظروفه، مسائل قانونية مجرمة.

⬅️ رابعاً: لا خلاف على أن النائب، باعتباره شخصية عامة، يكون معرضاً لنطاق واسع من النقد والمساءلة السياسية. لا بل النقد الحاد للمواقف والخيارات التشريعية، يشكل جزءاً أساسياً من الحياة الديمقراطية، كما على الناخبين أن يحاسبوه عليها في الانتخابات!

ولكن، أن يتم وصف عمله التشريعي أو خياره  السياسي بالخطأ شيء، اما وصف صاحبه بأنه مرتكب جرم شيء آخر.
ومن ثم، لا يجوز الخلط بين حق المواطنين في مساءلة النائب سياسياً، وبين تحويل هذا الحق إلى وسيلة بوصفها جريمة على ممارسة تشريعية لمجرد عدم الموافقة عليها.

⬅️ خامساً: واخيراً، إنَّ التصويت على قانون العفو العام يمكن أن يكون محلاً للنقد السياسي، والتقييم التشريعي، كما يتطلَّب تفعيل الرقابة على القوانين من خلال الطعن ربما بعدم دستوريتها!  أو العمل على المساءلة الشعبية وفقاً لقواعد تحترم شفافية ونزاهة العملية الإنتخابية. 

أما تحويلها الى عمل مجرّم بصورة تحاكي اصدار الاحكام المسبقة وتلطيخ السجل العدلي! يبقى أمراً غير مشروعاً. فكما أن النائب لا يمكن أن يتحصَّن من النقد لمجرد كونه نائباً، فإن المواطن أو الجهة السياسية أو الإعلامية لا تملك، لمجرد ممارسة حرية إبداء الرأي، أن تستبدل الحكم القضائي بحكم سياسي يخضع، بحسب مضمونه وصياغته وسياقه ووسيلته، للقواعد القانونية التي تحمي إعتبار كل مواطن وتجرّم القدح والذم والتحقير.

⭕️ وهنا  تكمن الحدود الفاصلة بين المساءلة السياسية المشروعة، والتجريم الخطابي مع ما يرتبه من مسؤولية قانونية.
 
????في تاريخ ٢٤ / ٨ / ٢٠٢٦                                                                                                                      
                                                                                                                                                                         المحامي سليمان مالك ????????